يوسف بن تغري بردي الأتابكي
370
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة
لم يغف أحد منا تلك الليلة من السرور الذي طرقنا وأيضا من الفكر فيما يصير أمرنا بعد ذلك إليه غير أننا حصل لنا ولخيولنا راحة عظيمة ببياتنا تلك الليلة في مكان واحد وتشاورنا فيما نفعل من الغد وكذلك السلطان الملك الظاهر فإنه أخذ يتكلم معنا فيما يرتبه من الغد في قتال منطاش ونائب الشام فما أصبح باكر نهار الاثنين إلا وقد رتبنا جميع أحوالنا وصار الملك الظاهر في عسكر كثيف وتهيأنا لقتال منطاش وغيره وبعد ساعة وإذا بمنطاش قد أقبل من الشام في عالم كبير من عسكر دمشق وعوامها وممن تراجع إليه من عسكره بعد الهزيمة فتواقعنا فحصل بيننا وقعة من شروق الشمس إلى غروبها ووقع بيننا وبينهم قتال لم يعهد مثله في هذا العصر وبذل كل منا ومنهم نفسه فقاتلنا عن أرواحنا لا عن أستاذنا لأننا تحقق كل منا أنه إن انهزم بعد ذلك لا بقاء له في الدنيا والمنطاشية أيضا قالوا كذلك وانكسر كل منا ومنهم غير مرة ونتراجع هذا والملك الظاهر يكر فينا بفرسه كالأسد ويشجع القوم ويعدهم ويمنيهم ثم قصدني شخص من الأمراء يقال له آقبغا الفيل وحمل على فحملت عليه وطعنته برمحي ألقيته عن فرسه فرآه الملك الظاهر فسأل عني فقيل له تغرى بردى فتفاءل باسمي وقال ما معناه الله لا ينولني ما في خاطري إن كنت ما أرقيك إلى الرتب العالية انتهى قلت ومعنى اسم تغرى بردى باللغة التركية الله أعطى فلهذا تفاءل الملك الظاهر به لما قيل له تغرى بردى واستمر كل من الطائفتين تبذل نفسها لنصرة سلطانها إلى أن أرسل الله سبحانه وتعالى في آخر النهار ريحا ومطرا في وجه منطاش ومن معه فكانت من أكبر الأسباب في هزيمته وخذلانه ولم تغرب الشمس حتى قتل من الفريقين خلائق لا يحصيها إلا الله تعالى من الجند والتركمان والعربان والعامة وولى منطاش هو وأصحابه منهزما إلى دمشق على أقبح وجه